السيد حيدر الآملي

73

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( العالم بالنسبة إلى الحقّ سبحانه منفعل وبالنظر إلى نفسه ) ( فمنه فاعل ومنه منفعل ) فلمّا تميّزت المراتب في النّسب الإلهيّة ، تميّز الفاعل عن المنفعل ، خرج العالم على هذه الصّورة فاعلا ومنفعلا ، فالعالم بالنّسبة إلى اللَّه من حيث الجملة منفعل محدث ، وبالنّظر إلى نفسه فمنه فاعل ومنفعل . ( أصول ظهور الصّور ومراتب العناصر في العالم ) فأوجد اللَّه سبحانه العقل الأوّل من نسبة الحياة ، وأوجد النّفس من نسبة العلم ، وكان العقل في وجود النّفس ، كالحياة شرط في وجود العلم وكان المنفعلان عن العقل والنّفس ، الهباء والجسم الكلّ ، فهذه الأربعة أصل ظهور الصّور في العالم ، غير أنّ بين النّفس والهباء مرتبة الطبيعة ، وهي على أربع حقايق ، منها اثنان فاعلان ، واثنان منفعلان ، وكلَّها في رتبة الانفعال بالنّظر إلى من صدرت عنه ، فكانت الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة ، فاليبوسة منفعلة عن الحرارة ، والرّطوبة منفعلة عن البرودة ، فالحرارة من العقل ، والعقل عن الحياة فكذلك ( ولذلك ) طبع الحياة في الأجسام العنصريّة ، الحرارة والبرودة من النّفس ، والنّفس من العلم ، ولهذا يوصف العلم إذا استقرّ ببرد النّفس وبالثلج ، ومنه قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حين وجد برد الأنامل بين ثدييه : ( 30 ) « فعلم علم الأوّلين والآخرين » .

--> ( 30 ) قوله ( ص ) حين وجد برد الأنامل . روى علي بن إبراهيم القميّ في تفسيره ج 2 ، ص 243 في سورة ص الآية 67 - 70 ، بإسناده عن إسماعيل الجعفيّ قال : كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر ( ع ) في ناحية ، فرفع رأسه فنظر إلى السّماء مرّة ، وإلى الكعبة مرّة ، ثمّ قال : * ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ) * [ سورة الإسراء : 1 ] . وكرّر ذلك ثلاث مرّات ، ثمّ التفت إليّ فقال : أيّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقيّ ؟ قلت : يقولون : اسرى به من المسجد الحرام إلى البيت المقدس ، فقال : ليس هو كما يقولون ، ولكنّه أسرى به من هذه إلى هذه ، وأشار بيده إلى السّماء وقال : ما بينهما حرم ، قال : فلمّا انتهى به إلى « سدرة المنتهى » تخلَّف عنه جبرئيل فقال رسول اللَّه ( ص ) : يا جبرئيل في هذا الموضع تخذلني ؟ فقال : تقدّم أمامك فو اللَّه لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق اللَّه قبلك ، فرأيت من نور ربّي ، وحال بيني وبينه السبخة . قلت : وما السبخة جعلت فداك ؟ فأومأ بوجهه إلى الأرض وأومأ بيده إلى السّماء وهو يقول : جلال ربّي ، جلال ربّي ثلاث مرّات . قال : يا محمّد ! قلت : لبيك يا ربّ ، قال : فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال : قلت : سبحانك لا علم لي إلَّا ما علمتني ، قال : فوضع يده ( أي يد القدرة ) بين ثدييّ فوجدت بردها بين كتفيّ ، قال : فلم يسألني عمّا مضى ولا عمّا بقي إلَّا علمته ، قال : يا محمّد فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال : قلت : يا ربّ في الدرجات والكفّارات والحسنات ، فقال : يا محمّد قد انقضت نبوّتك ، وانقطع أكلك ، فمن وصيّك ؟ فقلت : يا ربّ قد بلوت خلقك فلم أر فيهم من خلقك أحدا أطوع لي من عليّ ، فقال : ولي يا محمّد ، فقلت : يا ربّ انّي قد بلوت خلقك فلم أر في خلقك أحدا أشدّ حبّا لي من عليّ بن أبي طالب ( ع ) قال : ولي يا محمّد ، فبشّر بأنه راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور لمن أطاعني : والكلمة الَّتي ألزمتها المتّقين ، من أحبّة احبّني ، ومن أبغضه أبغضني ، مع أنّي أخصّه بما لم أخصّ به أحدا ، فقلت : يا ربّ أخي وصاحبي ووزيري ووارثي ، فقال : إنّه أمر قد سبق ، إنّه مبتلي ومبتلي به ، مع ما أنّي قد نحلته ونحلته ونحلته ونحلته أربعة أشياء ، عقدها بيده ، ولا يفصح بها عقدها . وأخرج التّرمذي ج 5 ، ص 366 و 367 ، الحديث 4 ، و 3233 ، بإسناده عن ابن عبّاس ، عن رسول اللَّه ( ص ) قال : أتاني ربّي في أحسن صورة ، فقال : يا محمّد ! فقلت : لبّيك وسعديك ، قال : هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت لا أدري ، قال فوضع يده بين كتفيّ فوجدت بردها بين ثدييّ ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض - ما بين المشرق والمغرب . وأخرجه أيضا الدّارمي ج 2 ، ص 170 كتاب الرّؤيا الحديث 2149 ، وأحمد بن حنبل في مسنده ج 1 ، ص 368 وج 4 ، ص 66 وج 5 ، ص 243 ، والسّيوطي في الدّر المنثور ج 3 ، ص 301 ، وابن حجر في المطالب العالية ج 3 ، ص 363 ، الحديث 3718 في تفسير سورة ص . وروى ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي ج 1 ، ص 52 ، الحديث 76 ، قال فيه : وروي عنه ( ص ) إنّه قال : رأيت ربّي ليلة المعراج في أحسن صورة فوضع يده بين كتفي حتّى وجدت برد أنامله بين ثديي . وقال بعد ذكره : وفي بعض كتب الأصحاب ، عن بعض الصادقين انّه ( ع ) قال : وضع يده بين ثدييّ ، فوجدت برد أنامله بين كتفي ، لأنّه ( ع ) كان مقبلا عليه ولم يكن مدبرا عنه . وفي سنن الدارمي ج 2 ، كتاب الوصايا ، باب 12 ، ص 170 ، الحديث 2149 أخرج الحديث أيضا ، وفي نقله بعد قوله ( ص ) : فعلمت ما في السماوات والأرض : وتلا ( ص ) هذه الآية : * ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) * [ الأنعام : 75 ] . وأخرجه الترمذي أيضا في ص 368 ، ج 5 ، الحديث 3235 ، بإسناده عن معاذ بن جبل قال : أحتبس عنّا ( علينا ) رسول اللَّه ( ص ) ذات غداة عن صلاة الصّبح حتّى كدنا نتراءى عين ( قرن ) الشّمس ، فخرج ( رسول اللَّه ( ص ) ) سريعا فثوّب بالصّلاة ، وصلَّى رسول اللَّه ( ص ) وتجوّز في صلاته ، فلمّا سلَّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ، ثمّ أقبل إلينا ، ثمّ قال : أمّا إنّي سأحدّثكم ما حبسني عنكم الغداة : إنّي قمت من اللَّيل فتوضأت وصلَّيت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتّى استثقلت ( استيقظت ) ، فإذا أنا بربّي تبارك وتعالى في أحسن صورة ، فقال يا محمّد ، قلت : لبّيك ربّ قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري ، قالها ثلاثا ، قال فرأيته وضع كفّه بين كتفيّ حتّى وجدت برد أنامله بين ثدييّ ، فتجلَّى لي كلّ شيء وعرفت . فقال يا محمّد ، قلت لبّيك ربّ ، قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : في الكفارات ، قال ما هنّ ؟ قلت : مشي الأقدام إلى الحسنات ، والجلوس في المساجد بعد الصّلوات ، وإسباغ الوضوء حين الكريهات ، قال فيم ، قلت : اطعام الطعام ، ولين الكلام ، والصّلاة باللَّيل والنّاس نيام ، قال : سل ، قل اللَّهمّ إنّي أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبّ المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة قوم ، فتوفّني غير مفتون ، أسألك حبّك وحبّ من يحبّك ، وحبّ عمل يقرّب إلى حبّك . قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّها حقّ فادرسوها ثمّ تعلَّموها . وأخرج ابن حنبل مثله في ج 5 ، ص 243 .